زكريا القزويني
480
آثار البلاد واخبار العباد
بنان : خذ وثيقتك وأطعم الحلاوى صبيانك . توفي بمصر سنة ستّ عشرة وثلاثمائة . وحكي انّه احتاج إلى جارية تخدمه ، فانبسط مع إخوانه فجعلوا له ثمن جارية وقالوا : إذا جاء السّفر تكون معه جوار نشتري لك منهم جارية . فلمّا جاء السّفر ومعه جوار اجتمعوا على واحدة وقالوا : انّها صالحة له . فقالوا لصاحبها : بكم تبيعها ؟ فقال : انّها ليست للبيع . فألحّوا عليه فقال : إنّها لبنان الحمال ، بعثتها له امرأة من سمرقند ، فحملت إلى بنان وذكرت له القصّة . وينسب إليها يزيد بن هارون . كان عالما عابدا مقرئا محدّثا . قال : سافرت عن أهلي في طلب الحديث سنين كثيرة ، فلمّا عدت إلى بغداد سمعت أن بعسكر أحد التابعين ، فمشيت إليه فقال : حدّثني أنس بن مالك ، رضي اللّه عنه ، عن رسول اللّه ، صلّى اللّه عليه وسلّم : من ابتلاه اللّه ببلاء فليصبر ثمّ ليصبر ثمّ ليصبر ! وقال : ما أحدّثك غير هذا . قال : فعدت إلى واسط ووصلت ليلا ، ووقفت على بابي ، كرهت دقّ الباب كراهة انزعاج القوم ، فعالجت فتح الباب ودخلتها . وكان أهلي على السطح فصعدت السطح فوجدت زوجتي نائمة وبجنبها شابّ ، فأخذت حجرا وقصدت أضرب به فتذكّرت الحديث الذي سمعت من العسكري ، ثمّ قصدت ثانيا وثالثا فتذكّرت الحديث ثانيا وثالثا ، فانتبهت زوجتي فلمّا رأتني أيقظت الشاب وقالت : قم إلى أبيك ! إني تركتها حاملا فعلمت أن ذلك من بركة حديث العسكري . وحكي أنّه رئي في النوم بعد موته فقيل له : ما فعل اللّه بك ؟ قال : غفر لي . قيل : بأيّ شيء ؟ قال : بالقرآن والحديث ودعاء السحر . فقيل له : هل أخذ عليك شيئا ؟ قال : نعم ، قال لي تروي الحديث عن حريز بن عثمان وهو يبغض عليّ بن أبي طالب . وأتاني الملكان وقالا : من ربّك ؟ قلت : أنا يزيد بن هارون ، أما تريان هذه اللحية البيضاء ؟ تسألاني عن الذي كنت أدعو الناس إليه سبعين سنة ! فقالا : نم نومة العروس التي لا يوقظها إلّا من هو أحبّ إليها .